روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
270
عرائس البيان في حقائق القرآن
[ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 36 إلى 40 ] فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 36 ) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ( 37 ) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 38 ) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ( 39 ) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 40 ) قوله تعالى : فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي : ما أوتيتم من المقامات والدرجات والكرامات والمعاملات فمتاع المتمتعين بذكر اللّه ، وما عند اللّه من كشف مشاهدته وظهور أنوار وصاله وعجائب علومه الغيبية وأحكامه المخفية للذين شاهدوا اللّه وعليه يتوكلون في امتحانه إياهم واستغراقهم في بحار ألوهيته ، فهو بجلاله ورحمته يخرجهم من لججها إلى سواحل وصاله ؛ حتى لا يفنوا فيه ، ويتمتعون بجماله في بقائه . قال بعضهم : ما ظهر من أفعالك وطاعتك لا يساوي أقلّ نعمة من نعيم الدنيا من سمع وبصر ، فكيف ترجو بها النجاة في الآخرة ؛ لتعلم أن النعم كلها بفضل لا باستحقاق . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 41 إلى 46 ] وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ( 41 ) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 42 ) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 43 ) وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ( 44 ) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ ( 45 ) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ ( 46 ) قوله تعالى : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ أي : بعد ظلم الظالم عليه ، هذا بيان من لطف عدله ، تعالى اللّه من أن يجور ، عدل كما حكم ، وصرح بخطابه طرفين من العلم : بيان شرف الظالم ؛ إذ جاوز الأمر وجار في العبودية ، وبيان ضعف المظلوم وقلة صبره في البلاء ، وانخلاعه من شعار الأنبياء والصديقين وأولي القوة من الرسل ، وأولي العزائم من أهل الاستقامة ؛ حيث صبروا في احتمال الجفاء ، وغفروا لمن لم يعرف أقدارهم ، وبذلك وصفهم اللّه بقوله : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 43 ) ، وما قال لحبيبه : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ، والصبر في البلاء من نعوت أهل الرضا ، والعفو من شعار أهل الكرم والرضا .